لم تهفو النفوس لزخات المطر في وطني .. لأزقته الحنونة لصفاء قبة السماء أيام الربيع وتجهمها في الشتاء .. لم َ تحن الأنفس لأصوات الباعة المتجولين .. أبناء القرية منهم أو من أبناء القرى المجاورة .. تتصبح بصوت البائع المعروك الفتي يحمل صندوقه الكرتوني وقد لوحت جبهته شمس الصباح يمشي بثقة ويرسل صوته الطفولي مع نغمة خاصة تميزه عن بقية الصبية الجائلين تهرع النسوة وخاصة الجدات منهن لابتياع بعض الكعكات لأبنائهن أو أحفادهن الذين مازالوا مندسين في الفراش وقد أبى النعاس الرحيل عن عيونهم .. لا يكاد يمشي بائع المعروك حتى يقبل على الحارة بائع
الخضرة حمراء يابندورة .. أول قطفة ياخيار ..رائعة موسيقا أصوات حياة القرية .. أصوات الناس وحركاتهم أصوات دراجاتهم وعرباتهم .. صوت الأطفال عند خروجهم من المدرسة .. عند مزاحهم وعند غضبهم وبكائهم عند اختلافهم واتفاقهم .. والطبيعة في القرية ليست بمنأى عن أصوات الناس فعند المساء إذا أردت أن تريح جسدك على أريكة تحت ظل عريشة العنب أو شجيرة في ساحة الدار وقد اصطفت الشتلات الجميلة بعنفوان أمام ناظريك فتوقع أن تسمع صرصورا يغني بكل ثقة ولا يكف عن الغناء حتى تمل وترمي بحصاة بين الشتلات ليكف عن غنائه ذي النغمة الواحدة .. رغم ذلك فأصوات الحياة جميلة
تغني نفس الإنسان .. فالصمت رهيب .. والسكون الدائم موت .. والصوت دائما رسالة كل حسب دوره في الحياة ..وعندما تخلو الحياة من الصوت فاعتبر أن الكون ميت .
هذه الكلمات إهداء لقريتي لطلتها البهية.. لزيتونها .. لحجارتها .. لأكف الأمهات الداعيات فجرا لأبنائهن بالتوفيق والخير
للأطفال الصغار الذين يشاركون أهليهم عناء الحياة وربما يعملون حتى يوفروا لقمة العيش سلام لهم ، من هنا من ظلمة الغربة .. من السكون الدائم .. والأبواب الغريبة العابسة .
الاسم غريب / العنوان : حيث يسكن الصمت /
-------------------------------------------------------------------------------------
شكراً لك يا أم جنى . فهذه الذكريات نعيشها يومياً على الواقع المباشر ولكن غزتنا الآن أصوات أخرى بسبب الحضارة في البناء والطرق المسفلتة . فأصوات السيارات وال(الطرطارات) لا تزال تطربنا بنغماتها والشباب الذين يشببون الموتورات ما زالوا يؤنسون الناس بالسير على عجلة واحدة وبسرعة قصوى على الرغم من الحوادث التي تصيبهم وغيرهم ، ومع هذا نقول الحمد لله على كل حال . نعم الغربة قاسية لكنها مفيدة وبخاصة ما نسميه الحنين إلى الوطن الذي يثري النفس بالمحبة لكل الناس وحتى الطرقات والأرصفة والحجارة . أعادكِ الله إلى الوطن بكل خير وشكراً مرة أخرى على هذه الزفرات الإنسانية التي خرجت من بين جنبيك . عبد الكريم سميسم