بينما كنت أشق طريقي بين الزحام البشري في البازار ( السوق المركزي ) للضيعة يوم الثلاثاء
على صوت الطرطارات والموتورات وأصوات الباعة التي تصدح بأسعار الخضار الطازجة الغالي منها والرخيص فهنا اصطفت باقات البقدونس وتربعت عرش السحارة الخشبية وإلى جانبها النعناع ذات اللون الأخضر الداكن والبصل برؤوسه البيضاء اللامعة وهناك جبل من الباذنجان وقد شكلت النساء حوله دائرة وكأنهن يعقدن قمة إلا أنها ربما تكون هذه القمة مثمرة ، إذ ستخرج إحداهن أو أغلبهن بطنجرة محاشي لذيذ أو مقالي على كيف كيفك أو متبل مزنر بالزيت والطحينة بلا طول سيرة ولأنني بدأت أشعر بالجوع راحت باصرتي تنقل الطرف بين الباعة علي أظفر بما أوصيت،
أن أحضره لجماعتي في البيت وقع نظري على بائع قد غزا الشيب رأسه فلم يبق ولم يذر من علامات الشباب ونال الدهر من وجهه ما نال فسحنته محملة بالتعب والقهر ويداه مشققتان مصبوغتان بلون الخضرة والتراب ، رأيته يجلس على حصير قديم ممزق وافترش أمامه بضاعته إلا أنني غبطته في تلك اللحظة ، فقد وضع بجانبه موقد صغير برأس واحدة واعتمر فوقه إبريق شاي من الألمنيوم الذي تآكلت يده فربط اليد بسلك معدني نظرا لقدم الإبريق اقتربت علي أجد ضالتي المنشودة عند هذا البائع
كان قد سكب كأس شاي أكرك عجم في كأس زجاج شفاف وبدأ بارتشاف الشاي مع مواصلته للنداء ففاحت رائحته وخاصة أنه طبخ مع السكر
ورغم كل ذلك حسدت ذاك البائع المسكين على جلسته تلك مع كأس الشاي لاأعرف لماذا ؟ ربما لأني أمشي في البازار بين زحام يأبى الواحد أن يبعد
عن مكانه قيد أنملة والشمس لم ترحمني ، فانتابني العطش ونال مني التعب ، قطع غبطتي صوت بائع قد فجر ( لا تخافوا ) فجر الوضع وراح يشتم بطريقة بائعي الخضار.. برسمالو برسمالو عبوا عبوا خيار يا خيار هجم الناس هجمة رجل واحد ، وبعد دقائق معدودة كانت كومة الخيار أثرا بعد عين .
عدت إلى البيت محملا بالخضار الطازجة ، وأول شيء طلبته كأس شاي لكنه لم يغل بإبريق ألمنيوم إلا أنه لذيذ وخاصة عندما افترشت حصيرة بأرض الدار ولم ينقصني إلا أن أنادي وسيمفونية أصوات الباعة تؤازرني .
المكان ساحة البازار / التاريخ الثلاثاء