تعبس السماء وتمتد سحب دخانية اللون وفجأة تبدأ الزخات الحانية تنزل لتبشر بمطر فتي يصافح الأراضي والحقول ويرتاح في الحاكورات الخضراء تتغلغل قطرات المطر بين خصلات شعر الأطفال المنشدين مطر مطر وأنفاسهم بين وريقات البصل ومساكب البقدونس والنعناع .. ينتفض الديك محتجا وقد شمخ واهتز عرفه .. فيزيد الأطفال من غضبه برشقه بالماء من حومة الطين القابعة وسط الطريق .. أرى جارتنا أم عبد الرحمن تهرع نحو بائع المازوت ليملأ البرميل والذي يعد أهم من الطعام والشراب في الشتاء وهاجس كل بيت ألا يفرغ هذا البرميل .
تصرخ تنادي لجارتها متلهفة وقد نشف حلقها ربما من فرحتها بمرور البائع أو لتكرار الصراخ هيا تعالي بائع المازوت هنا .
يمر اليوم الشتائي بسرعة عجيبة فمنذ الساعة الثانية والنصف يؤذن العصر وتلتف الأسرة مع هبوط الليل حول المدفأة ، يتناغم أنين إبريق الشاي مع حركة ألسنة النار التي طالما أوحت إلي بقصص خيالية وأشياء غريبة .
عند الفجر أسمع زخات ذات إيقاع سريع . أستيقظ فرحاً لكن البرد يترصدني في كل زاوية ، يصفعني ، فأعود أدراجي ، أندس تحت اللحاف فلايظهر مني سوى أنفي وأذني ، وبعد استيقاظ الحياة ووشوشة العصافير على شجرتي ، أقفز لأرتدي ثيابي وأعتمر طاقية صوفية زرقاء آكل وجبتي المفضلة ( الزيت والزعتر ) ثم أطمئن على زخات المطر ابحث عن جزمتي الطويلة المصنوعة من البلاستك ، هذه الجزمة أحببتها وأخلصت لها أنظفها طيلة فصل الشتاء من الطين العالق بها وأمسحها ولا أسمح لأحد من أخواني باستعارتها ، وعند عودتي من المدرسة أضعها في مكان نظيف أتأملها وأشكرها لأنها تساعدني كل يوم على أن أغطس في برك الوحل أثناء عودتي من المدرسة .. أشعر أنني ملكت الدنيا أروح وأجي ء والمارة ينظرون إلى بدهشة لا أعرف لماذا ؟
وبعد ذلك أمر على دكان أبي غازي أشتري حبلا من السكاكر أدسه في جيبي وكلما قضيت على قطعة أرمي التالية وهكذا حتى أصل إلى البيت .
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة عصفت الريح وأزبدت ، وأذكر أن هناك أشياء قديمة ، كراسي حديد وسرير ألمنيوم ركنها والدي على السطح سقطت على أرض الديار فظننا أن الحرب قد قامت ، نطقنا الشهادتين وراء أمِّنا ، هههه ، ولكن سرعان ماهدأ روعنا وزادت نقطة المازوت على النار فتوهجت النار حتى ظننتها ستخرج من وراء هذا الزجاجة ، لا أنسى تلك الليلة حيث بقيت أمي يقظة ولم تنم وقد تركت المدفأة مشتعلة " جلس والدي يقص عليها ما جرى في عمله وما لقيه من مشاق ومتاعب ، دسست رأسي تحت اللحاف .. أتابع أحداث ما جرى إلا أن النوم تغلب على جفوني المقاومة لآخر رمق وهزمني لتعلو أنفاسي وتهبط بسلام .
صحوت قبل الديك أحسست أن هناك شيئا ما قد حدث .. الحياة وديعة لا ريح ولا ضجة ، صعدت السطح فهالني ما رأيت وصرخت بأعلى صوتي ثلج ، ثلج ، ثلج . منظر لا أنساه . كانت الطبيعة في قمة نقائها عروس بثياب الفرحة ، رداء ابيض ، رحت أقفز كالعصفور الذي عثر على حبة قمح بعد أن أضناه الجوع ، نزلت بسرعة ورحت أرفع الأغطية عن أخواني وأصرخ ثلج يا إلهي . كان يوما مليئا بالمغامرة والضحك ، لم تسلم امرأة ولا طفل ولا شاب من قصفي الثلجي وأخواني ، كانت البسمة هي سيدة الموقف ونهي أمي عن الشقاوة مستمر إلى أن أتتني ضربة شعرت بأن وجهي انقسم إلى نصفين .. لكم تمنيت أن تستمر السماء بعطاياها النقية.. ومرت الأيام وكبرت وأصبحت جزمتي ضيقة على رجلي ( أفكار الأطفال الجزمة تضيق ولا ندرك أننا نكبر ) وافترشت الشوارع بالزفت الأسود وطمرت بركة الوحل .. وبدا اليباس يدنو رويدا من شجرتي فهجرتها العصافير المشاغبة .. أما بائع المازوت فمات وحصانه . أما الآن يأتيك المازوت باتصال أو بطاقة ، أما الثلج فرحل هو أيضا ، لا أدري لقد غدت الألوان باهتة وغدت الحياة كلها بلون واحد رغم كل المغريات والتطورات ترى هل يعود يهطل الثلج إلى قريتي ؟
أتمنى ذلك ولو عاد ، فسأعود إلى معركة الثلج من جديد على سطح الدار وهذه المرة مع أولادي .
شكراً يا أم جنى على هذه الذكريات الحلوة التي ذكرتْنا بطفولتنا . لكن بعد أن صرنا آباء وأجداء لا يمكن لتلك الأيام أن تعود ، فقد ولّت إلى غير رجعة ، اللهم إلا مع أطفالنا . فقد رأيتِ أنت الثلج وفرحت ، لكنهم يرون شيئاً آخر فيفرحون . ويصنعون عالمهم المبهج بأنفسهم .فيفرحون ويمرحون ، ويكتبون في المستقبل عن ذكرياتهم ، وربما تكون عن دراجة نارية يركبها طائش ، يصدمهم ويلقي بهم على الأرض ، هذا ما بقي لهم في هذا الوقت . أكرر شكري لك وأتمنى مشاركتك في قراءة أعمالك على منبر المركز الثقافي في أقرب وقت .